يرى الكاتب محمود هدهود في بداية تحليله أن الاقتصاد المصري مرّ منذ سبعينيات القرن الماضي بموجات متتابعة من التحرير الاقتصادي والخصخصة والإصلاحات الهيكلية، لكن تلك التحولات لم تنجح في بناء قاعدة إنتاجية واسعة أو خلق وظائف مستقرة وعالية الجودة. ظهر النمو الاقتصادي على فترات متقطعة، لكنه لم يقترن بدمج اجتماعي مستدام، بينما بقي ملايين المصريين عالقين بين العمل الهش والوظائف الحكومية منخفضة الدخل وأنشطة اقتصادية صغيرة محدودة الإمكانات.


وتوضح منصة ريفليكشنز، بالاستناد إلى كتاب الرأسمالية المهمشة للاقتصادي المصري عمرو عدلي، أن الأزمة لا ترتبط بغياب الرأسمالية نفسها، بل ترتبط بشكلها غير المتوازن داخل مصر. استفادت شركات كبيرة قليلة من التمويل والأراضي وموارد الدولة والفرص الاستثمارية، في حين بقيت الأغلبية الساحقة من المشروعات الصغيرة محاصرة داخل اقتصاد محدود الإنتاجية وضعيف النمو.


يشير التحليل إلى أن المشكلة تجاوزت مفهوم "رأسمالية المحاسيب" الشائع؛ فالأزمة الأعمق تمثلت في نشوء اقتصاد منقسم يضم قمة صغيرة تتمتع برأس مال كبير، وقاعدة واسعة من المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بينما غابت الطبقة الوسطى الاقتصادية القادرة على الربط بين الطرفين.


غياب الطبقة الاقتصادية الوسطى وإخفاق الإصلاحات


انتقلت مصر تدريجيًا منذ سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد أنور السادات نحو تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة المباشر في الاقتصاد. وبحلول العقد الأول من الألفية الجديدة، سيطر القطاع الخاص على قطاعات واسعة من الاقتصاد غير النفطي، لكن هذا التحول لم يخلق نموًا شاملًا أو مستويات معيشية أفضل لغالبية المواطنين.


يرفض عمرو عا دلي تفسير الإخفاق الاقتصادي عبر الفساد وحده، رغم اعترافه بأهميته. ويؤكد أن دولًا أخرى نجحت في تحقيق نمو اقتصادي حتى مع وجود علاقات سياسية تفضيلية أو مؤسسات غير مكتملة. لذلك ركز على سؤال أكثر أهمية: هل استطاعت المؤسسات الاقتصادية منح الشركات الصغيرة إمكانية الوصول إلى التمويل والأراضي والتكنولوجيا والمهارات والأسواق؟


يكشف الكتاب أن أغلب الشركات الصغيرة ظلت عاجزة عن التطور إلى شركات متوسطة الحجم. أدى غياب هذه الفئة إلى حرمان الاقتصاد من كيانات تستطيع خلق وظائف جديدة وربط الإنتاج المحلي بالأسواق الأوسع أو دعم التصنيع والتصدير.


البنوك والأراضي وصناعة الفجوة الاقتصادية


يعتبر التحليل أن النظام المصرفي المصري لعب دورًا أساسيًا في تعميق هذا الانقسام الاقتصادي. ورغم امتلاك مصر قطاعًا مصرفيًا متقدمًا نسبيًا على المستوى الإقليمي، حصلت الشركات الصغيرة على نسبة محدودة جدًا من القروض، بل إن عددًا كبيرًا منها لم يمتلك حسابات مصرفية أصلًا.


فضّلت البنوك تقديم التمويل للحكومة والشركات الكبرى التي تمتلك الضمانات والعلاقات القوية، بينما واجهت الشركات الصغيرة صعوبة كبيرة في الحصول على الائتمان. ولم يرتبط ذلك بالفساد فقط، بل ارتبط أيضًا بضعف المؤسسات الوسيطة القادرة على تقييم هذه المشروعات وتقليل مخاطر تمويلها.


امتدت المشكلة كذلك إلى ملف الأراضي، إذ خضعت الأراضي الصحراوية لنظام إداري مركزي معقد ارتبط بمؤسسات الدولة والجهات العسكرية. ورغم اتساع مساحة الأراضي المتاحة نظريًا، واجهت المشروعات الصغيرة عراقيل كبيرة في الوصول إليها أو استخدامها لأغراض إنتاجية.


ويخلص التحليل إلى أن الاقتصاد المصري لم يفتقر إلى روح المبادرة أو النشاط التجاري، بل افتقر إلى المؤسسات التي تربط أصحاب المشروعات الصغيرة بمصادر التمويل وفرص النمو الحقيقي. وبقيت الفجوة قائمة بين شركات ضخمة تمتلك الموارد والنفوذ، وبين قاعدة واسعة من الأنشطة الصغيرة التي استطاعت البقاء، لكنها لم تستطع التحول إلى قوة اقتصادية قادرة على قيادة التنمية المستدامة.

 

https://mahmoudhadhoud.substack.com/p/why-egypts-market-economy-failed